الأحد، 15 يوليو 2018

حاجة العالم إلي الاسلام


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله r . وبعد :

مما لا شك فيه أن الحياة لا تصلح إلا بالإسلام ، وتلك قضية تلازم الوجود الإنساني عبر تاريخه الطويل علي هذه الأرض ، وصدقُ هذه القضية ، يصحبها دائماً ، ويعلن في نفسه في اعتزاز وثقة ، في كل عصر ، وفي كل جيل ، ذلك أن الإسلام وإن كان تاريخ ميلاده قد بدأ ببعثة محمد r ، إلا أن مبادئه عاشت في ضمير الإنسانية منذ القدم ، ونادي بها رسل الله جميعاً ، لم يختلف في ذلك رسول ولا نبي عن سابقه أو لاحقه : ] وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ ، ] شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ .

إنها النشأة الضاربة في أعماق الزمن ، تعلن عن وحدة المصدر ، ووحدة المنهج ووحدة الغاية ، التي  تستهدف صنع الإنسان علي مثال تستقيم به الحياة ، وتأخذ بقيادته سبرها الآمن ، وقرارها المطمئن .. فمتي يدرك الناس ، أن الإسلام ضرورة ، لا غني للإنسانية عنه ؟

إن في الإسلام قيماً حضارية متجددة ، تَنْبَعُ من القرآن والسنة وتصب في نهر الحياة ، لتمنحها انبل زاد ، واكرم عطاء من الأخلاق الفاضلة ، ومن خصائص الأخلاق الإسلامية ، أنها تتسم بالثبات والأصالة ، والشمول ، وتصاحب سلوك المؤمن في سلمه وحربه ، في عسره ويسره ، يتعامل بها مع أعدائه وأصدقاءه ، مع الأباعد والأقارب ، في داخل بلاده وخارجها ، لأنها موصولة بالله ، وهو رب الناس ، وهو فوق الزمان والمكان .

إن حضارة الإسلام لا تقاس بحضارة سواه ، فالحضارة المعاصرة التي خلقها الغرب ، قامت علي اساس الفلسفة اليونانية المادية ، التي تتجه أول ما تتجه إلي الابتعاد عن الدين ، وفصله عن الحياة .

فهي حضارة جافة ، لا مجال فيها لإشراق البصيرة ، وشفافية الروح ، لأنها تنسلخ عن الله ، وتضع زمامها في يد الشيطان !

والإسلام دين واقعي ، أدرك حاجة الإنسان إلي الرقي المادي والروحي في وقت واحد فجمع بينهما في توافق وانسجام .

وحضارة الإسلام تنطلق في كل مجال ، وتأخذ مكانها في عالم الواقع لا في أوهام الفلاسفة وخيالات المشرعين ولذلك كانت مثلاً رائعاً للحضارات علي مدي التاريخ .

ففي مجال الحياة الفردية تحفظ علي الإنسان كرامته ، وتعطيه حقه في الحرية وحرية الإسلام بميزان لا تضيق حتي تَشِلَّ الحركة وتقتل المواهب ، ولا تتسع حتي تفرط علي الناس وتطغي .

وفي مجال الحياة الاجتماعية تكافل ومواساة ، وأداء للأمانة وحكم بين الناس بالعدل .

وفي ميدان الإنسانية عامة يعلن الإسلام أن البشر جميعاً من آدم وآدم من تراب واكرم الناس عند الله أتقاهم .

ومن هنا فاضت الحضارة الإسلامية بخيرها علي العالم أجمع ، سواء منهم من دخل الإسلام ومن اعرض عنه .
وفي ميدان العلم يغالي الإسلام بقيمته ، ويبني صرحه علي أساسين : إيماني ـ تجريبي ، أما الإيماني فمصدره الوحي ، وموقف المسلم منه القبول والتسليم ، وأما العلم التجريبي فبابه مفتوح امام النظر والتفكر في خلق السموات والأرض والتجارب العملية . والإسلام هو الذي عرف العالم المناهج التجريبية فخطي خطوات واسعة في مجال الإبداع والاختراع ، ولكن العلم في الإسلام مقرون باسم رب الوجود فقال تعالي : } اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ { ومن هنا جاء علماً نافعاً يبني ولا يهدم ، ويعمِّر ولا يدمِّر يَسْكُبُ في النفس الطمأنينة ويخلصها من دواعي القلق والخوف ، ومما يشهد بعظمة الإسلام شهادات المؤرخين من غير المسلمين التي تشيد بحضارة الإسلام وفضل المسلمين علي العالم فمنهم من قال : لم يفتح الإسلام العالم ولكن غزاه بحضارته . ومن قال : إن للحضارة الإسلامية تأثيراً عظيماً في العالم وإن أوروبا مدينة بحضارة العرب المسلمين فما أحوج عالمنا اليوم إلي أن يظلهُ الإسلام ويبني علي أساسه حضارته الجديدة  } وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ { .  
كتبه د أيمن عبد العظيم          

هندسة العلاقات الاجتماعية



هندسة العلاقات الاجتماعية

من أشد الأمور فتكاً بالدعوة أن تـصـاب من الداخل ، سواء بضعف الصف أو بتقطع شبكة العلاقات الاجتماعية فيما بين أفرادها ، كالتدابر والتحاسد والتكالب على المناصب ، وقد تكون هذه الأمور واضحة لا يقع فيها كثير من المخلصين ، ولكن هناك أمور أخفى من ذلك تستحق التأمل والوقوف عندها طويـلاً ، ذلـك عـنـدما يكون الوعي الاجتماعي ضعيفاً، ولا نعلم : كيف نتحاور ، كيف يرد بعضنا على بعض ، كيف يحترم الكبير ، تأجيل موضوع إذا استغلق حتى لا يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه ، كيفية المعاتبة والنصح... الخ .

وقـد يكون السبب عدم اهتمامنا بهذه النواحي أصلاً ، لأن الاهتمام منصب على العلم والفكر ، مـع أن قضية العلاقات الأخوية بحاجة إلى هندسة خاصة ، نحتاج إلى معرفة النفسيات والطباع، ومعاملة كل أخ حسب ما يناسبه، فلا نستطيع أن نطبع البشر بطابع واحـد، أو نـصـبـهـم فـي قوالب جامدة، فالرجال أنواع، فـهـنـاك البـسـيط المنفتح وهناك الانطوائي الاجتماعي ، ومن يحب العزلة ، والجريء والخجول ... ورسـول الله - صلـى الله عليه وسلم - هو القدوة في ذلك ، كيف كان يعامل أصحابه مع اختلاف طبائعهم وأمـزجتهم ، كان أبو بكر هيناً ليناً وكان عمر شديداً ، وعثمان حيياً ، ويبدو أن شخصية علي لم تفهم من بعض الصحابة فقد جاء في السيرة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سأل الزبير بن العوام عن حبه لعلي فقال الزبير : كيف لا أحبه وهو ابن خالي وعلى ديني فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - "ستقـاتله وأنت له ظالم" وأظن أن الرسول - صلى الله عـلـيـه وسلم- أراد أن ينبه الزبير وغيره إلى جوانب من شخصية علي قد تفهم على غير مرادها .

ويبدو أن الزبير -رضي الله عنه- نسي هذا الحديث ، فعندما ذكّره به علي في معركة الجمـل تذكـــر وترك القتال فوراً ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعرف نفسية علي التي أخطأ فهمها بعض الصحابة ، والآن تجد الأخ يظن ويعتقد أن في أخيه صـفــة غير محمودة ، ويعامله على هذا الأساس لسنوات وأخوه لا يعلم بهذا ، ولا هو يحاول أن يسأله أو يستفسر منه حتى يتأكد ، هل هذه الصفة فيه ؟

فيقع في الظلم ، ثم قد يتبين له الحق ولكن بعد أن تصاب العلاقات الأخوية بالشلل .

إنها مصيبة أن يحدث هذا مع حسن النوايا ، وذلك كله بسبب الاطلاع النظري والعيش مع الكتب دون معرفة الواقع والتعامل معه ، فقد يكون الرجل صامتاً أو مداعباً ممازحاً ، فيخوض الناس فيه وهو لا يدري. لماذا لا نستفيد من السيرة النبوية ، ولماذا لا نفكر في واقعنا ونحاول التعرف عل أسباب الخلل وهي كثيرة مع الأسف .
كتبه د أيمن عبد العظيم

الجمعة، 13 يوليو 2018

صناعة الفكر


‏صناعة الفكر
في هذه الأيام التي لا نزال نتلمس فـيـهـا طـريق النهضة وطريق التغيير ، نحن بحاجة إلى مفكرين (فقهاء) وبالمعنى العام لكلمة (فقه) وهـي : الفهم العميق للإسلام ، كما دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لابن عباس »اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل«.

نحن بحاجة إلى فقهاء علماء يعرفون سنن التغـيـيـر وأمـراضـنـــا الاجتماعية وواقعنا وواقع غيرنا تمام المعرفة ، وما هي الخطوات المرحلية التي يجب أن نبدأ بها ، وإذا كان الغرب يـنـتـقل إلى الهم الاقتصادي والثورة (التقنية) فإننا في بلاد المسلمين لازلـنـا بـحـاجـة إلـى التخـطـيـط الـفـكـــري ؛ فإن هذه البضاعة لا تزال عزيزة ، وإذا وجدت فإنها بضاعة غير رائجة ، فلا تزال المنزلة الأولى للخطيب والواعظ ، وصاحب الحديث الجذاب والبلاغة الأدبية، ولا تزال المجلة الفكرية، والمحاضرة الفكرية ثقيلتي الظل على السامع أو القارئ المسلم بشكل عام، وإذا حـدث ودعــي مـفـكـــر لندوة أو محاضرة فهي من باب (التملح) أو لكسر الروتين السائد، إن مشكلة (المسلم) لا تحل إلا بتحديدها تحديداً دقيقاً، والتفكير فيها، وهذا لا يؤتاه إلا (أولو الألباب) وعندمـــا ذكر القرآن الكريم أن عشرين من المؤمنين. يغلبون مائتين من الذين كفروا قال : ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)).
ولذلك قال عبد الله بن مسعود يـصـف بـعـض المظاهر في آخر الزمان : »يكثر الخطباء ويقل الفقهاء«.
عندما كان العلماء الفقهاء هم الموجـهــون أو هم الحكام كانت الأمور تسير سيراً صحيحاً ، وعندما انفصلت السياسة عن الفكر أصيبت بالانحراف ثم بالتدمير ، وفي دول الغرب الآن نجد أن السر في قوتها »هو تـكـامـل الفكر والسياسة ، واعتماد رجال التخطيط والتنفيذ في دوائر السياسة والإدارة على ما يقدمه رجال الفكر العاملون في مراكز البحوث والدراسات خـلال الـلـقــاءات الــدوريــــة التي تجمع بين الفريقين لمناقشة وتقويم القضايا الداخلية والخارجية ، ففي بلد كالولايات المتحدة هناك حوالي تسعة الآف مركز بحوث ودراسات متخصصة في بحث شؤون السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتربية…«(1).
لا شك إنهم في الغرب يـمـارسون هذه الصناعة ويشجعونها ، بل عندهم (بنوك) للأفكار ، فـالــذي يـقــدم فـكــرة جديدة، تخزن حتى تأخذ طريقها للتنفيذ، ونحن لم نمارس هذه الصناعة – إلا في القليل – ، وقد يكون من الأسباب الداعية لذلك ما تعودنا عليه من حب للسهولة ، فلا نريد أن نتعب أنفسنا بالتفكير العميق في مشكلة من المشاكل ، وكيف تحل، وإنما نكتفي بكلام عام وصحيح في نفس الوقت ، كالطبيب الذي يصف لكل مريض أقراص (الأسبرين) ، فلا هي تضره ولا هي تنفعه النفع المطلوب، فأنت تسمع من يقول لك : حل المشكلة في (الرجوع إلى الله) وهذا كلام صحيح ، ولكن كـيـف يكون الرجوع إلى الله؟ كيف تحل العقد الاجتماعية المتشابكة ، كيف نظهر علماء – فقهاء ، كيف نستفيد من الطاقات ونجمعها ونضعها في موضعها الصحيح؟! ، هذا لا جواب عليه!
وسبب آخر قد يكون عائقاً عن وجـــود (أولي الألباب) وصناع الفكر الذين يقدمون الحلول الصحيحة ، ألا وهو التأثر ببعض المنهج الظاهري بين صفوف طلبة العلم ، وأقول : بعض المنهج الظاهري؛ لأن لابن حزم جولات رائعة في فهم الإسلام، ولكن أخذ الجانب الأسهل عـنـده ، فـإن نفي الحكمة والـتـعـلـيل ، وبالتالي نفي القياس يُضعف الجانب الاستنباطي الاجتهادي.
إننا مطالبون بالتفكير كما جاء في القرآن الكريم: ((وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) [النحل:44].
إننا مطالبون بالتفكير في آيات الأنفس والآفاق ، في أسرار التشريع ، وفي سنن التغيير الذي يريده الله سبحانه وتعالى ، وفي منهج الرسول – صلى الله عليه وسلم – في (فقه التغيير).
وهذا التفكير يأتي بالتأمل والتعمق في فهم الأمور ، يقول الـشـيـخ الأديب محـمـود محمد شاكر:
»فإن العقل هبة الله لكل حي ، ولكن أساليب تفكيره كسب يكتسبه من معالجة الـنـظـــر ، ومـن الـتـربـيـة ومن التعليم ، ومن الثقافة ، ومن الآف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة(2).
وأخيراً فإننا نتمنى أن يزداد عدد الفقهاء الحكماء ليقودوا الأمة، فإنهم هم المؤهلون لهذا، وعند فقدهم يسود الأغرار ، وتسود لغة العاطفة التي لا تغني عن الحق شيئاً«.
الهوامش :
1 – ماجد عرسان الكيلاني / هكذا عادت القدس / 282.
2 – مقدمة لكتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي / 9.
بقلم د أيمن  عبد العظيم     دكتور بجامعة الازهر

عوامل الذل


   
‏عوامل الذل
ما الذي يجعل شخصاً ما، أو شعباً من الشعوب، ذليلاً؛ خاضعاً، مكسور الشوكة، مهيض الجناح؟ لا شك أن وراء ذلك سبباً ، أو أسباباً أدت إليه.
أما الأسباب الذاتية: فهي قابلية وأهلية للخضوع، تكبر مع الزمن، في ظل غلبة الشهوات والانقياد إلى حب الدنيا وما بها من متاع زائل.
إن الأمة عندما تصبح الشهوات فيها هي المتحكمة ، وتجعل هدفاً رئيسياً لها: “تحقيق الرفاه المادي”، بأي شكل تحقق هذا الرفاه ؛ تكون قد دخلت طور الانهيار والاضمحلال من بابه الواسع. قد تعيش سنوات – تطول أو تقصر – في ظل هذا العبث ، وقد يزدهر اقتصادها ويتضخم إنتاجها ، ويخدعها كل ذلك عن النهاية المحتومة التي ستصير إليها يوماً ما ، ولكن ريحها ستذهب ، ودولتها ستدول لا محالة ، بل إن الأمة التي تفشو فيها مثل هذه المفاهيم تصبح ألعوبة لفئة قليلة تميل بها ذات اليمين وذات الشمال ، وقد وصف الله تعالى في كتابه العزيز هذه الحالة ، ممثلة في قوم فرعون فقال ، عز وجل: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)) [سورة الزخرف 54].
فأي طاغية لا يبسط سيطرته على الجماهير إلا بعد أن تسقط هذه الجماهير صرعى الشهوات والمطامع ، وتتمرغ في أوحال الفسق والبعد عن الحق ، وعدم الالتفات إلى هدي الله والتمسك بحبله ، وتستبدل ميزان الهوى بميزان الإيمان ، أما المؤمنون الذين يبصرون الحقائق بنور الهداية ، ويَزِنون لأمور بميزان الإيمان ، فمن الصعب -إن لم يكن من المستحيل – الاستخفاف بهم، وتوجيههم الوجهة التي تجعلهم غثاء كغثاء السيل”.
وأما الأسباب الخارجية: فلها ارتباط قوي بالأسباب الذاتية ، ارتباط النتيجة ، بالسبب.
فعندما تغفل الأمة عن مقومات وجودها ، يسطو على قيادتها نفر لا يحملون الا الأهلية التي يتمتع بها الغاصب المتغلب ، ولا يمتازون إلا بما يمتاز به قطاع الطرق ، من الجرأة على سفك الدماء ، وعند ذلك تكمل الدائرة ، وتتواصل حلقات السلسلة التي يجد الأفراد والأمة أنفسهم محاطين بها ، وبعد أن كانت حالة الذل الأولى مجرد قابلية ، يصبح الواقع الجديد للأمة مدرسة منظمة لهذا الخلق الذميم ، فكل الجهود الجماعية للأمة تصبح موجهة لتغرس مفهوم الذل في النفوس.
فالقوانين ، التي تشرع، والعادات التي تشجع، والثقافة التي تسود ، والأجهزة والقنوات الإعلامية التي ينفق عليها من كدح الأمة وعرقها ، كل ذلك يسير في اتجاه واحد هو تثبيت معاني الذل والخنوع ، وتجريد الأفراد من كل معاني عزة النفس والعفة ، وضرب وتشويه كل خلق يشير إلى تماسك الشخصية ، والبعد بها عن كل مواطن الطهارة النفسية والجسدية ، والعمل ، ليل نهار ، من أجل اقتلاع أخلاق راسخة حفظت للأمة كيانها ، وأمسكت عليها وجودها مميزاً ، وذلك بالتشكيك تارة ، وبالسخرية من هذه الأخلاق تارة أخرى ، وبالجرأة الوقحة التي يُغالي في الإنفاق عليها ، وإغداق المال والجوائز والألقاب على من يتولون كِبْرَها ، في الوقت الذي تهدر فيه الكرامات ، وتداس فيه الحريات ، وتكمُّ فيه أفواه الحق ، وتطلق فيه ألسنة الباطل ، وتنقبض فيه الأيدي عن البذل في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإذا بقيت – بعد كل هذا – بقية لم يؤثر فيها هذا الإلحاح المتواصل على ” غسل مخها ” والتخلي عما تعتقده وتراه ، ووقفت – ما أمكنها ذلك – صابرة مرابطة محتسبة ؛ فهناك علاج من نوع آخر لمن لا تؤثر فيه هذه المؤثرات ، حيث يؤخذ بالشدة والعنف ، ويحارب في رزقه ، وحريته ، وسمعته.
فمن الأمور التي عملت على تعميق الذل و ” تسويقه ” وانتشاره على أوسع مساحة من الناس ، ما يرونه من البطش والجبروت في استخدام الأسلحة المتطورة ، إن كل من تسوِّل له نفسه أن يفكر – ولو بصمت – بطريقة تخالف منطق الاستبداد والقهر ، فضلاً عن استخدام حقه في التفكير عالياً ؛ والتعبير عما يبدو له بشكل يتعارض ونية قاهريه ، سيجد أمامه – أنّى التفت ، وحيثما توجه -لافتة مكتوباً عليها: ” انج سعد ، فقد هلك سُعيد ” .
إن ذل الأمم مقدمة لظهور الفساد بشتى صنوفه وألوانه ، وإن ما يصيبها من الظلم ، وما تُرمى به من صنوف البلاء: كالفقر ، وانعدام الأمن ، وهدر الحقوق ، وتسلط الرعاع والسِّفْلة ، و… كل ذلك ليس إلا ابتلاء من الله ، وعقوبة منه على التفريط ، وحب الدنيا ، ونسيان الآخرة ، وصدق الله العظيم إذ يقول: ((ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) (الروم 41).
وكم بين واقع الأمة الإسلامية اليوم ، والواقع الذي أوصى فيه أبو بكر – رضي الله عنه – خالد بن الوليد ، غداة مسيره لمحاربة المرتدين: ” احرص على الموت توهب لك الحياة ” ، فكانت حياة خالد وجنده من الصحابة الكرام ترجمة عملية لهذه الوصية ، مما جعله يقول لهرقل ، قبيل معركة اليرموك: “.. لقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحب -أنت – الحياة “.
لقد مرت على المسلمين فترات مظلمة – كهذه الفترة أو أشد – مستهم فيها البأساء والضراء وزلزلوا ، فحينما اجتاح التتار العالم الإسلامي ، ضج السهل والجبل من كثرة ما أريق من دماء المسلمين ، وأشفق المؤرخون من هول ذكره ، وبلغ الذل بالناس إلى الحد الذي جعل الجندي الأعزل ، من المغول ، يأمر الرجل ، فيضع خده وعنقه على الأرض ، ثم يأمره أن يظل على هذه الحال ، بلا حراك ، ومن غير ما حارس يحرسه، حتى يذهب هذا ويحضر سلاحاً يحتز به رقبته!!.
وفي كل مرة زحف – ويزحف – فيها التتار والمغول وأشباههم ؛ يعملون على قذف الرعب ، واستلال روح المقاومة من النفوس ، ولم يوقف زحف المغول الأصفر إلا هتاف: “وا إسلاماه”، الذي تردد مرة في بطاح عين جالوت.
ولن يوقف المغول والتتار ، ومن في حكمهم ، إلا مثل هذا الهتاف: “وا إسلاماه”.
كتبه د ايمن الاصبح‏عوامل الذل
ما الذي يجعل شخصاً ما، أو شعباً من الشعوب، ذليلاً؛ خاضعاً، مكسور الشوكة، مهيض الجناح؟ لا شك أن وراء ذلك سبباً ، أو أسباباً أدت إليه.
أما الأسباب الذاتية: فهي قابلية وأهلية للخضوع، تكبر مع الزمن، في ظل غلبة الشهوات والانقياد إلى حب الدنيا وما بها من متاع زائل.
إن الأمة عندما تصبح الشهوات فيها هي المتحكمة ، وتجعل هدفاً رئيسياً لها: “تحقيق الرفاه المادي”، بأي شكل تحقق هذا الرفاه ؛ تكون قد دخلت طور الانهيار والاضمحلال من بابه الواسع. قد تعيش سنوات – تطول أو تقصر – في ظل هذا العبث ، وقد يزدهر اقتصادها ويتضخم إنتاجها ، ويخدعها كل ذلك عن النهاية المحتومة التي ستصير إليها يوماً ما ، ولكن ريحها ستذهب ، ودولتها ستدول لا محالة ، بل إن الأمة التي تفشو فيها مثل هذه المفاهيم تصبح ألعوبة لفئة قليلة تميل بها ذات اليمين وذات الشمال ، وقد وصف الله تعالى في كتابه العزيز هذه الحالة ، ممثلة في قوم فرعون فقال ، عز وجل: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)) [سورة الزخرف 54].
فأي طاغية لا يبسط سيطرته على الجماهير إلا بعد أن تسقط هذه الجماهير صرعى الشهوات والمطامع ، وتتمرغ في أوحال الفسق والبعد عن الحق ، وعدم الالتفات إلى هدي الله والتمسك بحبله ، وتستبدل ميزان الهوى بميزان الإيمان ، أما المؤمنون الذين يبصرون الحقائق بنور الهداية ، ويَزِنون لأمور بميزان الإيمان ، فمن الصعب -إن لم يكن من المستحيل – الاستخفاف بهم، وتوجيههم الوجهة التي تجعلهم غثاء كغثاء السيل”.
وأما الأسباب الخارجية: فلها ارتباط قوي بالأسباب الذاتية ، ارتباط النتيجة ، بالسبب.
فعندما تغفل الأمة عن مقومات وجودها ، يسطو على قيادتها نفر لا يحملون الا الأهلية التي يتمتع بها الغاصب المتغلب ، ولا يمتازون إلا بما يمتاز به قطاع الطرق ، من الجرأة على سفك الدماء ، وعند ذلك تكمل الدائرة ، وتتواصل حلقات السلسلة التي يجد الأفراد والأمة أنفسهم محاطين بها ، وبعد أن كانت حالة الذل الأولى مجرد قابلية ، يصبح الواقع الجديد للأمة مدرسة منظمة لهذا الخلق الذميم ، فكل الجهود الجماعية للأمة تصبح موجهة لتغرس مفهوم الذل في النفوس.
فالقوانين ، التي تشرع، والعادات التي تشجع، والثقافة التي تسود ، والأجهزة والقنوات الإعلامية التي ينفق عليها من كدح الأمة وعرقها ، كل ذلك يسير في اتجاه واحد هو تثبيت معاني الذل والخنوع ، وتجريد الأفراد من كل معاني عزة النفس والعفة ، وضرب وتشويه كل خلق يشير إلى تماسك الشخصية ، والبعد بها عن كل مواطن الطهارة النفسية والجسدية ، والعمل ، ليل نهار ، من أجل اقتلاع أخلاق راسخة حفظت للأمة كيانها ، وأمسكت عليها وجودها مميزاً ، وذلك بالتشكيك تارة ، وبالسخرية من هذه الأخلاق تارة أخرى ، وبالجرأة الوقحة التي يُغالي في الإنفاق عليها ، وإغداق المال والجوائز والألقاب على من يتولون كِبْرَها ، في الوقت الذي تهدر فيه الكرامات ، وتداس فيه الحريات ، وتكمُّ فيه أفواه الحق ، وتطلق فيه ألسنة الباطل ، وتنقبض فيه الأيدي عن البذل في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإذا بقيت – بعد كل هذا – بقية لم يؤثر فيها هذا الإلحاح المتواصل على ” غسل مخها ” والتخلي عما تعتقده وتراه ، ووقفت – ما أمكنها ذلك – صابرة مرابطة محتسبة ؛ فهناك علاج من نوع آخر لمن لا تؤثر فيه هذه المؤثرات ، حيث يؤخذ بالشدة والعنف ، ويحارب في رزقه ، وحريته ، وسمعته.
فمن الأمور التي عملت على تعميق الذل و ” تسويقه ” وانتشاره على أوسع مساحة من الناس ، ما يرونه من البطش والجبروت في استخدام الأسلحة المتطورة ، إن كل من تسوِّل له نفسه أن يفكر – ولو بصمت – بطريقة تخالف منطق الاستبداد والقهر ، فضلاً عن استخدام حقه في التفكير عالياً ؛ والتعبير عما يبدو له بشكل يتعارض ونية قاهريه ، سيجد أمامه – أنّى التفت ، وحيثما توجه -لافتة مكتوباً عليها: ” انج سعد ، فقد هلك سُعيد ” .
إن ذل الأمم مقدمة لظهور الفساد بشتى صنوفه وألوانه ، وإن ما يصيبها من الظلم ، وما تُرمى به من صنوف البلاء: كالفقر ، وانعدام الأمن ، وهدر الحقوق ، وتسلط الرعاع والسِّفْلة ، و… كل ذلك ليس إلا ابتلاء من الله ، وعقوبة منه على التفريط ، وحب الدنيا ، ونسيان الآخرة ، وصدق الله العظيم إذ يقول: ((ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) (الروم 41).
وكم بين واقع الأمة الإسلامية اليوم ، والواقع الذي أوصى فيه أبو بكر – رضي الله عنه – خالد بن الوليد ، غداة مسيره لمحاربة المرتدين: ” احرص على الموت توهب لك الحياة ” ، فكانت حياة خالد وجنده من الصحابة الكرام ترجمة عملية لهذه الوصية ، مما جعله يقول لهرقل ، قبيل معركة اليرموك: “.. لقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحب -أنت – الحياة “.
لقد مرت على المسلمين فترات مظلمة – كهذه الفترة أو أشد – مستهم فيها البأساء والضراء وزلزلوا ، فحينما اجتاح التتار العالم الإسلامي ، ضج السهل والجبل من كثرة ما أريق من دماء المسلمين ، وأشفق المؤرخون من هول ذكره ، وبلغ الذل بالناس إلى الحد الذي جعل الجندي الأعزل ، من المغول ، يأمر الرجل ، فيضع خده وعنقه على الأرض ، ثم يأمره أن يظل على هذه الحال ، بلا حراك ، ومن غير ما حارس يحرسه، حتى يذهب هذا ويحضر سلاحاً يحتز به رقبته!!.
وفي كل مرة زحف – ويزحف – فيها التتار والمغول وأشباههم ؛ يعملون على قذف الرعب ، واستلال روح المقاومة من النفوس ، ولم يوقف زحف المغول الأصفر إلا هتاف: “وا إسلاماه”، الذي تردد مرة في بطاح عين جالوت.
ولن يوقف المغول والتتار ، ومن في حكمهم ، إلا مثل هذا الهتاف: “وا إسلاماه”.
كتبه د ايمن عبد العظيم …..دكتور بجامعة الازهر

هذا هو الطريق


مرت الدعوة الإسلامية في طورها الأول بتجربة قاسية، فقد امتحن الصحابة الكرام وابتلوا بلاء شديداً، كما وقع لبلال وعمار وخباب -رضي الله عنهم أجمعين- ، وهـذا الابتـلاء لا بد منه في الدعوات ، حتى تصقل ويقوى عودها، ويزداد رجالها خبرة وتجربة وتمرساً في الحياة، فإذا مكن لهم في الأرض كانوا على قدر المهمة المناطة بهم. وحتى لا تكون المحنة أقـسـى مما يتحمله بشر، فعندئذ قد يتسرب اليأس والقنوط إلى النفوس ، كان رسـول اللـه -صلـى الله عليـه وسلم- يخفف من آلام أصحابه ، ويدعوهم إلى الصبر، ويذكرهم بما وقع للمؤمنين من قبلهـم ، ويبشرهم بأن سيكون بعد الضيق فرج بإذن الله ، فكانت كلماته برداً وسلاماً على قلوبهـم ، وكـان رســول الله -صلى الله عليه وسلم- – وهو الرحمة المهداة – يبحث عن مخرج لهذه المحنة، فـأشـار عـلـى أصـحـابه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر من هاجر في المرتين ، وعاشوا هناك آمنين مطمئنين يعبدون الله دون خـوف أو أذى، واسـتمـر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبحث عن مخرج وفسحة أكبر من الحبشة، حتى تأذّن الله بالفرج وذلك بإسلام نفر من أهل المدينة، ثم كانت الهجرة الكبرى ثم كانت الدولة.
ابتلـي المسلمـون في هذه الأيام بلاء كبيراً، ورماهم الغرب وأتباعه عن قوس واحدة، وقامت قيامة الإعلام علـيـهـم. ينبزهـم بألـقـاب هم بريئون منها، ويؤزون عليهم من يكره الإسلام وأهله ، ويحرضون عليهم السفلة ورعاع الناس.
والابتلاء إذا كان قاسياً قد يحطم الفرد، ويجعله في حالة شلل تام، بل قد يحطم المجتمع إذا لم يـكــن متمـاسكاً وعلى درجة عالية من الأخوة والتناصر، وحـتـى ذلـك أو قـبـل أن يحدث ذلك فإن الـبـحـث عن مخرج لهذه الفتن المتلاحقة هو من مهمة القيادات الواعية، والدعاة الصادقين ، والـعلـماء العاملين ، لا بد أن يرى الشباب بصيصاً من الأمل ، وبشارة بقرب زوال هذا الليل الذي طــال وناء بكلكله على صدور المسلمين ، لا بد من عمل كبير، واجتهاد صحيح في كيفية التغيير، وإن فقدان العلماء – الذين هم على معرفة بالواقع وعلى ارتباط به والذين يجتهدون لكل حادثة، ويكون لهم تأثير كبير وفعال – يضر كثيراً بالعمل الإسلامي ، ويجعل الأصاغر يجـتـهـدون ويخــربــون ولــو كان ذلك بحسن نية. فهل من مبادرات لسد هذه الثغرة، وحتى لا يقع المحذور.
الدكتور أيمن عبد العظيم

الإخوة الإيمانية

‏لا تفسدوا الأخوة
من أثمن ما يملكه المسلم في هذه الحـيـاة الدنيا بعد الصلة بالله عقد الأخوة الإيمانية الذي عقده مع من يحبهم في الله، وتعاهد مـعهم على العمل سوية في سبيل نصرة دين الله. هذا العقد من أقوى الأسباب لمجابهة الصـعـاب والـتـحـديـات، ولحل المشكلات التي تعترض الطريق، وبه يشعر المسلم أنه ليس وحيداً، فهناك من يشد أزره ويضع يده على يده، غير أن هذه الأخوة قد تعكر صفوها هنات وهزات، هي صـغـيـرة ولكـنهـا تكبر مع الأيام ويكبر أثرها، فتنفر القلوب، وتقع الوحشة وهذا مزلق خطير يجب على الأخ الـمـسـلـم تجـنـبـه فخسارة أخ لا يعوضها أي شيء.
إن كثرة العتاب وكثرة المماراة والجدل، خاصة إذا شابها نية إظهار التميز وفضل العقل، بـل وكـثـرة الـمزاح ؛ من الأشياء التي تؤدي إلى الوحشة، قال أصحاب طب القلوب: “إذا قصَّر الأخ فـي حـق أخيه فالواجب الاحتمال والعفو والصفح إلا إن كان بحيث يؤدي استمراره إلى القطيعة فالـعـتاب في السر خير من القطيعة، والتعريض به خير من التصريح، والمكاتبة خير من المشافهة، والاحتمال خير من الكل”.
إن الأخوة التي نحرص علـيـهــا كل الحرص، ونعض عليها بالنواجذ خاصة في مثل هذه الأيام والظروف التي تمر بالمسلمين لها حقوق إذا قمنا بها فلعلها تستمر وتقوى، ومن هذه الـحـقــوق التفقد لأحواله والسؤال عن حاجاته، قبل أن يضطر إلى طلب المساعدة والعون، فـهــذا هـــو الألـيـق، وهذا هو الذي يفرحه ويسره، فإذا نسيت وسألك حاجته فبادر إلى قـضـائـهـــا، وإذا لم تفعل هذا فكبّر على هذه الأخوة، ومنها: الوفاء والثبات عليها، فلا يـذكـره إلا بخـيـر، ويـحـفـظ غـيـبته، فلا يعرض به أمام الآخرين بأسلوب ظاهره الشفقة والنصح وباطنه الغيبة المحضة، بل يجب عليه استحضار محاسن أخيه وحفظه في أسراره فلا يبثها للآخرين، وبذلك لا يدع للشيطان مدخلاً: ((قُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ)).
ومـن حـقـوقـهــا: تـرك الـتـكـلف حتى لا يشعر الأخ أنه غريب عن أخيه، ولا يلجئه إلى الاعـتـذار دائـمــاً، بـسـبـب هـفـوة صغيرة، وكلمة عابرة، ويحاسبه على النقير والقطمير، وليتذكر قول الشاعر:
ولست بمستبق أخاً لا تلمهعلى شعث، أي الرجال المهذب؟
والأخوة الإيمانية أكبر من هذا، فإذا أفسدتها ما نحن فيه من أنانية وضيق أفق، وانشغال بصغائر الأمور أحياناً، فيجب أن نعترف أنه ليس هاهنا أخوة، بل كلمات خطابية جوفاء لا تـسـمـن ولا تـغـني من جوع، وما نحن فيه إنما هو مخالطة رسمية، وصورة مشوهة عن أخلاق المسلمين الأوائل، ومجاملات ليس لها أثر في العقل والدين.
كتبه / د أيمن عبد العظيم

الأربعاء، 11 يوليو 2018

في الهدم والبناء


في الهدم والبناء

إن المتتبع لكل الجهود التي بذلها الـمـسـلـمون خلال القرن الماضي فيما سمي بـ (النهضة) سيلاحظ شيئاً عجيباً ، فهذه الجهود لم تكـن تراكـمـيـة يستفيد فيها اللاحق من السابق ، وينظر في أمرها فيأخذ ما صح منها ويبني عليه ، ثم يأتي من بعده ويتم البناء ، ولكنها في الـغـــالب كانت تبدأ من الصفر فتخطىء وتصيب وتجرب مرات ومرات ، وفي العادة تكون البدايات شاقة وتحتاج الى طاقات كثيرة .

وسبب هــــذه الـطــريقـــة في التفكير والعمل - والله أعلم - أننا لم نتعود بعد على العمل المؤسـسـي الـذي يـقـــوم بالدراسات الدقيقة لكل عمل سبق وتقويمه تقويماً منصفاً حيادياً، ودراسة كل فكر تقدم، وكل تجربة لداعية أو عالم أو هيئة، ومــــــا هي الانجازات التي تحققت أو الفشل الذي وقع . كما أننا لم نتعود على الإنصاف في تقـدير جهود الآخرين ، خاصة إذا كان يخالفنا ولو في شيء يسير ، وثالث الأسباب أننا نحمل في داخلنا موروثات مذمومة من الحسد والشنآن فلا نذكر محامد أحد ، بل إننا أقرب إلى حـــب التحطيم كما يفعل الأطفال بألعابهم

كـتـب خـيــر الـديـن التونسي قبل أكثر من قرن محذراً من الطوفان القادم (الغرب) إن لم يتدارك الأمر بالمؤسسات والبعد عن الاستبداد في الأمة وما يجر من ويلات ، وعلى الرغم مما عندنا من ملاحـظــات على التونسي والكواكبي ، وما في فكرهما من ثغرات وتشوش ، فإن ما طرحاه في هذا الموضوع كان صحيحاً .

ولا يزال بين المسلمين من يقول بعدم إلزامية الشورى . ثم جاء الشيخ رشيد رضا وكتب في (المنار) مقالات قوية عن شؤون العمران والسنن الربانية في قوة الأمم ورقيها وأسباب ضعفها . واقترح تأسيس الجمعيات والمدارس التي تساهم في هذا الرقي وأظن أننا لم نستفد كثيراً مما كتب ، وهكذا تكررت هذه الظاهرة ، فقد قام الشيخ ابن باديس بتجربة قوية ناجحة في جمع علماء الجزائر فـي جمـعـيـة واحدة ، وكان أثرها قوياً واضحاً في نهضة الجزائر، والآن نـــــرى أكثر العلماء والدعاة متفرقين مع الأسف ، وكتب مالك بن نبي عن المشكلة الحضاريــــــة وأن البدء يكون بتغيير ما بالأنفس ، وكتب عن مشكلة الأشخاص والشيئية القادمة من عـصــور الانحطاط ، ولكن المشكلة لا تزال قائمة وجاء سيد قطب فكتب فصولاً جيدة عن القاعدة الصلبة وكيف تتكون .

وليست المشكلة فـقـط أنـنـــــا لا نستفيد من صواب كل واحد منهم بل إن بعضنا ينقض ما عندهم من إيجابيات ويقلل من شأنها ، ويستهين بها . وهم في ذلك ((كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً)) [النحل 92] . 

ولا ندري إلى متى نستمر في البناء والهدم والحزبية وقلة الإنصاف، والـنـزعـــة الأنـانـيـة الضيقة . والله وحده المستعان على هذه الحال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
كتبه / د أيمن عبد العظيم

المَلَل من كَواذب الأخلاق

جاء في "صحيح ابن حبان" عن عـائـشـة -رضي الله عنها- تصف خلقاً من أخلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم-   قالت :"كــان عـمـلـه...